Article المقال Elhekaya الحكاية ( Juin )




الحكاية


صدام وبن لادن ومبارك يغيرون مسار حياتي

 

بقلم


المترجم الأدبي الألماني الكبير


الأستاذ سمير جريس


 

 

بعد أن أتممت الدراسة الجامعية، وحصلت على ليسانس كلية الألسن، قسم اللغة الألمانية، ثم دبلوم الترجمة الألمانية من جامعة القاهرة، لم أجد عملا – هل أقول بالطبع؟ - في مجال تخصصي.

ولأني أؤمن بأهمية العمل، حتى لو كان بعيدا عن مجال التخصص، قبلت العمل مصححا لغويا في مطبعة صغيرة بحي المطرية. قبلت الراتب البسيط، واعتبرت هذه الوظيفة بداية حياتي المهنية واختلاطي بالبشر، وانغماسي بالواقع. بعد شهور فكرت: ما الخطوة التالية؟ هل سأظل طيلة حياتي أصحح نصوصا تجارية أو "البطاقات الشخصية" لكبار العملاء؟

وجدت عملا بسيطا في شركة سياحة، مندوب صغير يرافق السياح من المطار إلى الفندق، أو من الفندق إلى محطة الجيزة كي يستقلوا قطار النوم إلى الأقصر أو أسوان. تخيلت أنني سأتكلم اللغة الألمانية مع السياح، وسأتقن اللغة عبر الممارسة، لكنها كانت أوهام. العبارات المتبادلة مع السياح كانت محدودة ومحفوظة. في تلك الشهور أجريت مع نفسي هذا الحوار:

-           لماذا إذن لا أعمل مرشدا للسياح الألمان؟

-           وهل من السهل أن تعمل مرشدا سياحيا؟ عليك أن تدرس تاريخ مصر كله، من العصر "الفرعوني" (وعرفت فيما بعد أن التسمية خاطئة، وأن الصواب أن نقول: التاريخ المصري القديم)، ثم القبطي، وأخيرا الإسلامي، مع الإلمام طبعا بالتاريخ الحديث والنظام السياسي والعادات والتقاليد إلخ. فضلا عن دراسة الآثار المصرية التي لا تعد ولا تحصى، في القاهرة والجيزة والأقصر وأسوان.

-           ليس سهلا طبعا، لكنه تحدٍ، وقد قبلته.

وهكذا، إلى جانب عملي مندوبا في شركة سياحية صغيرة، بمرتب تافه لا يكفي لمصاريف المواصلات، شرعت في القراءة والدرس، ثم التردد على دروس الإرشاد السياحي في دورة نظمتها كلية السياحة والفنادق. شهور طويلة مرت وأنا أحفظ تاريخ الأسر المصرية الثلاثين، من مينا موحد القطرين حتى انهيار الحضارة المصرية على يد الفُرس وملوك النوبة، ثم تاريخ البطالمة في مصر، والتاريخ القبطي المُهمَل، وأخيرا التاريخ الإسلامي منذ دخول عمرو بن العاص مصر، وحتى آخر عصر المماليك.

تقدمت للامتحان، وحدثت "المعجزة" التي لم أتوقعها، وإن كنت تمنيتها بالطبع، ونجحت في الامتحان.

كان لحياتي أن تمضي في سلام ودعة بعد أن بدأت عملي في الإرشاد السياحي في مصر، فالرزق وفير والعمل شاق لكنه مجز، والسفر في طول البلاد وعرضها يمتعني أنا شخصيا. ولكن ...

 

قوات صدام تغزو الكويت

في الثاني من أغسطس عام 1990 غزت قوات صدام حسين الكويت، واندلعت نيران حرب الخليج. كنت في ذلك اليوم على سطح إحدى السفن السياحية، ما بين الأقصر وأسوان، والطقس شديد الحرارة. لم يكن من المعتاد مقدم سياح في تلك الفترة وزيارة الأقصر وأسوان. كانت رحلة خاصة ومميزة، فالوفد الذي كنت أقوده عبر آثار مصر القديمة لم يكن ألمانيا أو نمساويا أو سويسريا؛ كانت مجموعة من تشيكوسلوفاكيا السابقة، انتهزت فرصة انهيار الجدار الحديدي بين الشرق والغرب والتسهيلات التي مُنحت لهم للسفر خارج الكتلة الشيوعية، فقاموا بـ"رحلة العمر" ليروا إحدى عجائب الدنيا السبع التي طالما رأوا صورتها في المجلات والكتب، من دون القدرة على السفر ورؤيتها بالعين. كانت المجموعة رقيقة الحال، ولذا اختارت أن تسافر إلى مصر في فترة "خارج الموسم"، حيث تهبط أسعار الفنادق، وتصبح في متناول أيدي السياح الفقراء، لا سيما من أوروبا الشرقية (آنذاك). لم تكن المجموعة تتحدث الألمانية، ولا أحد في مصر يتحدث التشيكية، لذلك سافرت مع المجموعة مرشدة، أو بالأحرى مترجمة، تترجم ما أقوله بالألمانية لمواطنيها.

كنا جالسين على ظهر السفينة، ثم عرفنا بالخبر، ورأينا التفاصيل على شاشة التلفزيون.

قلب هذا الحادث موازين منطقة الشرق الأوسط، وقلب حياتي شخصيا.

فجأة انقطعت السياحة تماما عن مصر، رغم بعدها عن ساحة المعارك. كنت أتساءل آنذاك بغيط: هل يعتقد الألمان أن مصر تقع بجانب الكويت؟ لكن السائح خواف بطبيعته، ويحب أن يغلق كل الأبواب التي يمكن أن تجيئه منها الريح. لم ينقطع السائح الألماني وحده عن المجيء إلى مصر، بل نضبت السياحة كلها. عرفت كم هي هشة صناعة السياحة في بلادنا، لا سيما عندما ابتُليت مصر بعد ذلك بالاعتداءات الإرهابية الإسلاموية، في القاهرة والأقصر، فكانت السياحة تنهار وتتوقف بمجرد أن تبدأ في الانتعاش.

شهور من البطالة قضيتها بعد الغزو العراقي للكويت. ماذا أفعل؟ قلت لنفسي: لماذا لا أسافر إلى دولة ناطقة بالألمانية، وأواصل دراسة اللغة الألمانية حتى يتحسن الوضع، وتعود أفواج السياح؟

وهذا ما فعلته. سافرت أولا إلى فيينا، حيث قضيت فصلا دراسيا كاملا في دراسة اللغة الألمانية، ومن هناك تقدمت إلى كلية اللغات المشهورة في جرمرسهايم التابعة لجامعة ماينتس بألمانيا لأدرس الترجمة من وإلى الألمانية.

تقدمت في الدراسة، وبدأت السياحة تعود تدريجيا إلى مصر. وكان السؤال: هل أعود لأواصل عملي في مجال الإرشاد السياحي، أم أواصل الدراسة حتى أحصل على درجة الماجستير؟ بعد تردد كبير، قررت إتمام الدراسة أولا. وكحل وسط، كنت أرافق وفودا ألمانية إلى مصر بين الحين والآخر، فأمارس العمل الذي أحبه، وفي الوقت نفسه أكسب بعض المال الذي يعينني على مصاريف الحياة في ألمانيا.

حصلت على الماجستير وواجهني السؤال مرة أخرى: وماذا بعد؟ العودة؟ العمل في ألمانيا؟ وهل سأجد عملا كمترجم؟

 

الحادي عشر من سبتمبر

راسلت ربما أكثر من مئة جهة عمل، أعرض عليها خدماتي كمترجم بين الألمانية والعربية – وحصلت على رسائل لطيفة جدا، لكنني لم أحصل على فرصة عمل. قلتُ لنفسي: "إذا لم يكن الحصول على عمل يسيرا، فربما يمكن الحصول على فرصة للتدرب في إحدى المؤسسات، وعبر باب التدريب ربما أحصل على فرصة عمل؟"

راسلتُ القسم العربي بمؤسسة الدويتشه فيله الإعلامية، وحصلت على فرصة التدرب لمدة شهر في الإذاعة العربية. تعرفت في ذلك الشهر على مبادئ العمل الإذاعي، وترجمت تقارير إخبارية، وأعددت تقارير ثقافية عديدة نالت استحسان رئيس القسم آنذاك، الصحفي والكاتب فارس يواكيم. انتهت الأسابيع الأربعة التي تعلمت فيها الكثير - لكن لا فرصة عمل. ربما يمكن الاستعانة بي كي أعمل "بالقطعة" عندما يكون هناك احتياج.

وكما اندلعت حرب الخليج فجأة، انهار برجا التجارة العالمية في نيويورك فجأة أيضا. أتذكر جيدا أنني كنت في ذلك اليوم أقضي إجازة في فيينا، وفي أحد الميادين الكبيرة، "شفيدن بلاتس"، قرأت على الشاشات خبرا عاجلا يقول إن طائرتين فجرتا برجي التجارة العالمي في نيويورك. لم أصدق ما قرأت، واعتقدت أنه دعاية لفيلم هوليوودي جديد. لكن الخبر تكرر على شاشات أخرى، ثم استمعت إليه في الإذاعة، إذ لم يكن في حجرتي الفييناوية تلفزيون.

بعد عودتي من فيينا، اتصلت بالقسم العربي بالدويتشه فيله في كولونيا (آنذاك)، وعرفت أن هناك مخططات لزيادة ساعات البث، وأن علي الحضور بأسرع ما يمكن.

قلبت هذه الجريمة موازين العالم كله، وغيرت مسار حياتي للمرة الثانية.

وهكذا وجدت نفسي بعد أسابيع أعمل كل يوم تقريبا في الدويتشه فيله، وسرعان ما عُينت محررا.

إلى جانب عملي الصحفي، بدأت في نشر ترجمات أدبية، وعملت مراسلا للصحافة الثقافية، لا سيما جريدة "الحياة" اللندنية.

وكان مما ترجمته في تلك الفترة رواية "مونتاوك" لماكس فريش، ومجموعة "وكان مساء" لهاينريش بُل، ومونودراما زوسكيند المذهلة "الكونترباص"، ونص "صداقة" الفريد لتوماس برنهارد، ورواية الحائزة على جائزة نوبل إلفريده يلينك "عازفة البيانو"

ومرة أخرى، كان لحياتي أن تمضي في سلام ودعة بعد الحصول على وظيفة في مؤسسة إعلامية دولية، وهي وظيفة كانت تتيح لي أيضا بعض الوقت لإشباع هوايتي في الترجمة الأدبية. ولكن ...

 

الربيع العربي

كانت الإذاعة العربية قد انتقلت مع بقية الأقسام إلى مدينة بون الجميلة الواقعة على ضفاف نهر الراين، وكان مبنى الإذاعة نفسه يقع على الراين، وكنت من نافذة مكتبي أراه. كان كل شيء جميلا، في المبنى والمدينة، لكني لم أكن سعيدا في العمل لأسباب عديدة، أهمها أنني كنتُ أعتبر العمل الصحفي في الدويتشه فيله – في تلك الفترة - بعيدا كل البعد عن الحرفية والمهنية، وكان ذلك يرجع إلى قلة خبرات وضعف المؤهلات المهنية للعاملين.

كنت أتابع الأخبار يوميا، وهكذا قرأت عن مظاهرات في مصر يوم "عيد الشرطة". ابتسمت لنفسي، ولم أهتم بالأمر، ورددت العبارة الشائعة: "مصر ليست تونس." ثم تطورت الأحداث، وتسمرت أمام شاشات الفضائيات في ألمانيا، ولم أصدق ما يحدث. مصر تثور؟ وليس فقط مصر، العالم العربي كله في حالة غليان وثورة، بل إنهم يتحدثون عن ربيع عربي.

كانت الآمال في التغيير كبيرة. ليس فقط في مصر أو في العالم العربي. اعتقد كثيرون في الغرب أن شيئا مشابها لسقوط الكتلة الشرقية يحدث في العالم العربي آنذاك: ثورات سلمية تدعو إلى تغيير ديمقراطي. لقد تغيرت أوروبا الشرقية، فلم لا يتغير العالم العربي؟

بعد فرار بن علي من تونس، وخلع مبارك في مصر، وتفجر الاحتجاجات في سوريا وليبيا واليمن، تزايد الاحتياج إلى مترجمين من وإلى اللغة العربية، وهذا أعلن البرلمان الألماني، البوندستاج، لأول مرة عن حاجته إلى مترجم للغة العربية. قسم الترجمة بالبرلمان به مترجمون إلى اللغة الانجليزية والفرنسية بالطبع، ولغات أخرى مثل الروسية والإسبانية. ولكن حتى ذلك الوقت لم يكن هناك احتياج إلى مترجمين للغة العربية.

تقدمت إلى الاختبار، ونجحت، وعُينت مترجما بالبرلمان الألماني. وعملت لأول مرة بعد نحو ثلاثين عاما من تخرجي، في مجالي وتخصصي. ومن خلال عملي زرت معظم البلدان العربية، وتعرفت عن قرب إلى برلماناته وحكوماته، وتعمقت معرفتي بالعالم العربي وسياسته، ونمت أيضا معارفي اللغوية.

 

ثلاثة أحداث سياسية دولية كبرى غيرت مجرى حياتي.

إلى الأفضل؟

ربما.

ثلاثة أحداث أظهرت لي أن الأقدار، أو السياسة العالمية، قد تتلاعب بمصير الإنسان، وقد تغير مساره، أو تحرفه عن المسار تماما. أفكر في ملايين من البشر الذين محت تلك الأحداث حياتهم، أو دمرت منازلهم، أو أفقدتهم أعز الناس لديهم، أو جعلتهم لاجئين بعد أن خسروا البيت والوطن.

كنت محظوظا، وأنا ممتن لذلك. 

Commentaires