Article المقال Elhekaya الحكاية ( Mars )






الحكاية 


الأديب الأستاذ الدكتور شريف مليكة


الحكايات التي غيرت حياتي

 

بقلم

 شريف مليكة

 


في واقع الأمر حدثت لي عدة مواقف عبر سنين حياتي كان لها أعمق الأثر في تغيير مجراها. بل أدَّعي أن بعض تلك الأمور حدثت قبل أن أعي أي شيء في هذه الدنيا. فمثلا حين جاء الوقت لكي تضع أمي الحامل في شهرها التاسع، سافرت إلى مدينة الإسكندرية لتكون بالقرب من أمها السكندرية. لذا حدث أن ولدت بتلك المدينة، فصار اسمها مطبوعا فوق شهادة ميلادي. ورغم أنّي لم أعش فيها بصفة دائمة أبدا، لكن أثّر ذلك الميلاد على حياتي كلها أعظم تأثير، فوجدتني -دون إرادة مني- أعتبر الإسكندرية موطني، حتى أنها طفت إلى سطح العديد من أعمالي الروائية فيما بعد.

والحدث الآخر المشابه كان عندما انتهيت من الدراسة الابتدائية بمدرسة الفرير بباب اللوق في القاهرة، اضطر أبواي للسفر إلى أسوان لدواعي العمل. ولمّا رفضا ألا أواصل دراستي بالمدرسة الفرنسية بالقاهرة، اضطررت أن أنتقل لأعيش في بيت عمّي بحيّ شبرا لكي أواصل دراستي بالقاهرة طوال ثلاث سنوات في المرحلة الإعدادية. وعلى غرار مدينة الإسكندرية التي التصقت في لا وعيي، تسللت أصابع شبرا الخفية إليه أيضا، فصارت متلازمة لمدينة القاهرة في أعمالي الأدبية بعد ذلك بسنوات عديدة، في حين لم يظهر حيّ المعادي الذي عشت فيه معظم سنوات طفولتي وشبابي خلال كتاباتي على الإطلاق. لذا فلقد أثّر هذان الحدثان على حياتي كلها فيما بعد، أو على الأقل انطبعا كالوشم على عقلي الباطن.

أمّا فيما يخص العقل الواعي، فأذكر حدثا طريفا غيّر مجرى حياتي كلية. وقع ذلك بعد عودة أبواي إلى القاهرة وانتقالنا إلى حيّ المعادي من جديد. فلقد كنت متفوقا في دراستي وحصلت على مجموع عال في شهادة الثانوية العامة. وكنت مولعا بالرياضيات وحصلت على الدرجات النهائية فيها وحتى في امتحان المستوى الرفيع. لذلك كنت مصمما على الالتحاق بكلية الهندسة. لكن أمي كانت تريدني أن ألتحق بكلية الطب لأن مجموعي كان يؤهلني لذلك بسهولة. حاولت أن تقنعني بإلحاح الأمهات المعتاد لكنني لم أستجب. فما كان منها إلا وأن دبرت لي مقابلتين مع اثنين من جيراننا؛ الأول كان طبيبا والأخر مهندسا. أذكر أني جالست كلٍ منهما لأكثر من ساعة بمفردنا ومن دون تدخل منها. أما المهندس فأثناني عن دراسة الهندسة لأنها سوف تؤدي بي لأن أصير موظفا يجلس إلى مكتب طول حياتي المهنية -مثله- ونفى أن يكون لولعي بالرياضيات أي علاقة بالدراسة الهندسية. أمّا الطبيب فمدح مهنته وأشاد بالتعامل مع الناس في ضعفهم وإراحة أوجاعهم، كما أشاد باحترام الناس عموما، والمرضى خاصة للطبيب في كل مدينة أو قرية أو حتى في قلب الصحراء، وحتى عبر التاريخ كان كهنة المعابد وخواص الملوك هم الأطباء. فخرجت من التجربة بالالتحاق بكلية الطب وتغيّرت حياتي إلى الأبد.

من الحكايات المؤثّرة كذلك والتي غيّرت مجرى حياتي هو ما حدث معي بعد ذلك بسنوات. كنّا قد انتقلنا بعد زواجنا من مدينة نيويورك -حيث التقينا زوجتي وأنا- إلى مدينة صغيرة بولاية كاليفورنيا اسمها فريزنو. كنت أمارس عملي كطبيب باطني بعد اجتيازي اختبار البورد الأمريكي العسير. واجهتني مشكلة التعامل مع مرضى الألم المزمن -إذ لم يكن هذا الفرع معروفا آنذاك. توجهت إلى مدير المركز الطبي الذي أعمل به طالبا المشورة. ففاجأني بعجزه عن نصحي، مؤكدا أنه عاجزا عن التعامل معهم مثلي تماما. بل صرّح أن كل زملائنا في المركز الطبي الكبير يعانون من نفس الإشكال. لذا طلب مني أن أدرس الأمر فأصير مرجعا لهم. بالفعل صرت أقرأ الكتب والمجلات العلمية عن علاج الألم وأزور مراكز علاج الألم عبر الولاية. وتعلّمت العلاج بالإبر الصينية وصرت أمارسه يوما في الأسبوع بدرجة معقولة من النجاح. لكنني شعرت باحتياجي إلى دراسة أكاديمية تعزز خبرتي العملية. وهنا تأتي الحكاية المؤثرة التي غيرت مجرى حياتي؛ فأثناء عطلة نهاية الأسبوع كنت أتصفح مجلة علمية شهيرة فوجدت إعلانا عن زمالة في علاج الألم بمستشفى مشهور بتبعيته لجامعة هارفارد المرموقة. فما كان مني إلا وحلمت بالتقدم للوظيفة، لكن منعني بالطبع كوني خريج لجامعة أجنبية لا ترقى لجامعة مثل هارفارد التي لا يقترب منها أصلا إلا خلاصة خريجي الجامعات الأمريكية الأخرى المرموقة. لكنني طرحت الأمر على زوجتي، فأصرت أن أتقدم للوظيفة فورا. قالت لي ماذا عساك أن تخسر؟ ففي أسوأ الأحوال سنبقى هنا. وبالفعل تقدمت إلى الزمالة، ولدهشتي جاءني رد بتحديد موعد لمقابلتي. سافرت وقابلت مدير المركز والذي كنت أقرأ أبحاثه في المجلات المتخصصة من قبل ذلك اللقاء. ولسبب ما أعجبتَه، كما رقت لتسعة أو عشرة أخصائيين قابلتهم يومها. وخلال بضعة أشهر كنّا نشد الرحال من كاليفورنيا إلى بوسطن بولاية ماساتشوستس، مع ابن تجاوز بالكاد عامين، ورضيعة عمرها بضعة أسابيع. وتحولت بعدها من طبيب باطني إلى أخصائي في علاج الألم بسبب جرأة قرار دفعتني زوجتي على اتخاذه.

مرت بي السنون أمارس عملي كأخصائي في علاج الألم في مستشفى مرموق آخر هو جونز هوبكنز بولاية ميريلاند؛ وكان الانتقال إليها حكاية طريفة أخرى لكن لا يسعني ذكرها الآن لأنها لم تغير حياتي جذريا فيما أعتقد. لكن أتاح لي عملي التلاقي مع نخبة من خيرة أطباء العالم تماما مثل حال المرضى الذين كانوا يتوافدون إليها من شتى أنحاء الكرة الأرضية. وفي خضم ذلك، ألقى القدر نحوي برجل غريب احتار في أمره العديد منا؛ فلقد كان الرجل روحانيا، شديد التدين، وكان يزعم تلاقيه الروحي بالقديسين الراحلين، وبالذات القديس مار جرجس والذي قال لنا إنه ظهر له وشفاه من مرض خبيث وأقامه من بين الأموات بمستشفى المعادي العسكري بمصر. لم أكن موقنا من صحة روايته التي لم يقدر هو -بالطبع- على إثباتها ليّ. لكن في الواقع حدثت بعض أمور عجيبة أحاطت بوجود الرجل وسطنا في بلدان المهجر. حكى البعض عن حالات شفاء من أمراض متعددة، وقال لي أحدهم إنه كان يعمل في حديقة بيته في الحر الشديد حين هاتفه صاحبنا وطلب منه أن يستريح من عمله الشاق لئلا يصاب بضربة شمس. وأشياء أخرى غرائبية وقعت لم أجد لها تفسيرا منطقيا، ولكنها قد تخضع للصدفة مثلا أو لتناقل الأخبار بين الناس أو لأشياء من هذا القبيل. لكن ما حدث معي حيرني كثيرا؛ فلقد حدث أن ذهبت أيامها للطبيب لإزالة نتوء جلدي حميد. وبعد أن انتهى الطبيب بيّنت له عن ورم مزمن في أعلى فخذي ليفحصه، فأشار بأن الأفضل إزالته وفحصه حتى وإن تعايشت معه لسنوات، فاستجبت. وبعد نحو أسبوع هاتفني الطبيب في وقت عملي، فاستأذنت من مريض يجلس أمامي وخرجت لأحادثه. قال إن لديه خبرين الأول سيئ والثاني لطيف. ثم تساءل مداعبا أيهما تحب أن نبدأ به؟ أثارني سؤاله ذاك لأنّي لم أتوقع منه مكالمة على الإطلاق، كما لم أستسغ دعابته معي وسط انشغالي مع مرضاي، فسألته أن يتكلم على الفور. قال إن الورم سرطاني من نوع "السار كوما" كما أكد قسم الباثولوجي بمستشفى جونز هوبكنز، لكنه نوع نادر من السرطان بطيء الانتشار -فكان هذا هو الأمر الجيّد الذي قصده- لكنّه نصحني أن أرى جراحا بالمستشفى متخصصا في إزالته. على الفور اتصلت بالجراح وطلبت موعدا حتى من قبل أن أعلم أحدا من أسرتي. خلال يومين جلست أمام الجرّاح الذي شرح لي أمرا جديدا وهو أن هذا الورم السرطاني رغم بطء انتشاره إلا أنه ينمو خارج بؤرته في العادة، فيلزم استئصال دائرة واسعة حول الورم المحسوس لضمان استئصاله كاملا، لئلا يعاودني من جديد. أبلغني أن ذلك يتطلب اجتثاث أغلب لحم الفخذ من الحوض وإلى الركبة مع الجلد والعضلات، مما سيتسبب في ضعف شديد يتطلب شهور عديدة من العلاج الطبيعي حتى أقدر على المشي دون مساعدة. تماسكت بل وحددت موعد الجراحة بعد بضعة أيّام ثم عدت إلى البيت. بالطبع قصصت أمر المقابلة مع زوجتي التي تألمت معي ولكنها قالت بيأس: لتكن مشيئة الله، وهو لن يتركنا. نصحني صديق بمخاطبة رجل الله ذاك الذي حدثتكم عنه، ففعلت. لم أكن متأكدا من جدوى ذلك، ولكنني كنت استنفذت الإجراءات العلمية المعتادة، وصرت مقبلا على جراحة سوف تدمر حياتي ولو إلى حين. رد عليّ الرجل عبر الهاتف وهو يضحك قائلا: لا.. ولا شيء إطلاقا.. لا شيء.. سوف ترى بنفسك.. لا شيء مطلقا! ثم أنهى المكالمة. بالطبع حيّرتني كلماته الهذيّة المبهمة، لكنني لم أستطع أن أعي تماما ما الذي كنت أتوقعه منه بالضبط.

ذهبت إلى عملي في اليوم التالي، واليوم الذي يليه، وحاولت بقدر الإمكان تناسي الأمر بالاستغراق في تطبيب المرضى، بينما كنت أحوّج منهم إلى ذلك الأمر. وقرب انتهاء اليوم رن هاتفي فإذا به الطبيب الأول الذي استأصل الورم. رن صوته مبتهجا وهو يعلن لي أن المعمل بالمستشفى أرسل العيّنات إلى طبيب آخر متخصص في ذلك السرطان النادر بمستشفى "دوك" الجنوبيّ الشهير كذلك، وأنه قام بفحص العيّنات بدقة، فتبيّن له أنّي لم أكن مصابا بورم سرطانيّ على الإطلاق. وهنا تناهى إلى ذهني صوت رجل الله وهو يقول لي ضاحكا: لا شيء.. لا شيء!

اتصلت بزوجتي لأطمئنها ثم هاتفت الرجل لأشكره. أما هو فضحك مرة أخرى ببساطته المعهودة، ثم قال لي إن مار جرجس تراءى له ووعد أن يمنحني هدية ثمينة. فأجبته أن الهدية وصلت بما أنّي برئت من السرطان الذي شخصَّته معامل أكبر وأهم مستشفى بأمريكا! وحتى ولو لم يكن شفائي معجزيّ، فإن تواضع الأخصائي الكبير بجونز هوبكنز الذي دفعه لأن يبتغي استشارة زميل له على بعد مئات الأميال، وسرعة نقل العينات ثم سرعة استجابة المتخصص الآخر من "دوك" مع الرد الفوري الذي يصل إليّ خلال يومين فقط، وأن يحدث كل ذلك قبل موعد جراحتي بيوم، فهو معجزة في حد ذاته.

إلا أنه نفى أن تكون تلك هي الهدية!

حاولت الاستفسار فكان رده المتكرر أنه لا يعلم ما هي، لكنه أصر أن هدية عظيمة كانت تنتظرني.

تناسيت الأمر برمته مع الوقت، فانغمست في غمار العمل والأسرة ومضت الأيّام على نفس وتيرتها السابقة. وبعد نحو عام أو أكثر قليلا فوجئت برغبة ملحّة تجتاحني وتدفعني لأن أكتب. لم أكن أحلم بالكتابة ولا فكرت فيها على الإطلاق. ولم تكن لي محاولات في التأليف ولو على سبيل الدعابة كما هو الحال لدى بعض الشباب الصغار. وبما أني كنت نسيت أمر الهديّة الموعودة فلم أربط بين الأمرين. لكن فيما بعد، وبعدما كتبت الأشعار ثم القصص ثم الروايات، من دون أي سبب أو دافع أو مؤثر ما، تذكرت يوما حكاية الهدية التي ستهبط إليّ من السماء. فهل الكتابة والتأليف هي أيّ شيء آخر إلا هدية سماوية؟

هكذا تداعبنا الأيّام بحكايات تقابلنا وتداعبنا وتدفعنا أحيانا برقّتها الماكرة لأن نسلك في طريق لم نكن لنتخيّل أبدا الخوض فيه. 

Commentaires