Article المقال Elhekaya الحكاية ( Avril )





الحكاية 

حكايات غَيَّرَتْ المسار


بقلم 

الأديب و المترجم

 

الدكتور إسحاق بندري 



توجد حكمة عميقة في القول الشائع المُتَداوَل على الألسنة: «أن تأتي متأخرًا خير من ألا تأتي على الإطلاق». 

العام الماضي قرأتُ الرواية الأشهر للأديب الإيطالي دينو بوتساتي «صحراء التتار» وكتبتُ عنها مراجعةً مطولة. أزمة بطل الرواية «چيوڨانِّي دروجو» جاءت من انسياقه نحو حلم لا يتحقق، رغم أن كل المؤشرات الواضحة الجلية ومنذ البداية بَيَّنَتْ من خلال قصص المحيطين به استحالة وتعذر تحقق هذا الحلم. كمنتْ مأساة دروجو في استسلامه وانخداعه، مع أنه ليس نموذجًا للبطل التقليدي الواقع في ملحمة كونية، كما أنه ليس نموذجًا للبطل السيئ، هو مجرد رجل طيب حسن النوايا ضاعتْ حياته جراء زيف توقعاته في انتظار ما لا يحدث. 

بعد نشر مقال مراجعتي للرواية حدثني بعض الأصدقاء عن تشابه أحوال حياتهم بدرجات متفاوتة مع شخصية دروجو وتوالي سنوات العمر بسرعة وانقضائها في حالة من الترقب بلا نهاية. 

ولا يختلفُ الأمر كثيرًا معي إلى حدٍ ما. الروتين اليومي كفيل بتحويل الأسابيع إلى سنوات في غفلة منا، عندنا نجري في ذات الدائرة المفرغة. تظل تداعبنا أحلام شتى، ولكن هل ترانا نملك القدرة على إنجازها؟ 

جزء كبير من المشكلة يتعلق بما يسميه علماء النفس «توهمات المعرفة» فضلًا عن سقوطنا فريسة للعديد من «الانحيازات الإدراكية». قلما ينجو أحد من هذه الفخاخ المهلكة، إذ إننا لا ندرك ماهية الأمور بما هي عليه فعليًّا بقدر ما ندركها بموجب تصوراتنا وتخيلاتنا. نبحث عما هو غير موجود ونُضَيِّعُ الفرص الثمينة الواضحة. يندر أن يستوعبَ ذلك أحد لكي يسرع ويخرج ويتخذ القرارات الحاسمة في حياته. 

أحببتُ الأدب منذ سنوات التكوين الأولى، ولو عاد الزمن لتشبثتُ برأيي وانخرطتُ في دراسته أكاديميًّا، لم ترقْ لي الدراسة العلمية أبدًا. ظلتْ الخطوة نحو الدخول لعالم الأدب تتأجل بفعل عوامل ضغط الحياة العملية ورتابتها. لم أستسغْ ذلك بالمرة.

قصة دروجو ورغم أني طالعتها بعد دخولي بالفعل لعالم الأدب لكنها كَوَّنَتْ دافعًا قويًّا للعمل بأكثر جدية وتكريس مساحة أكبر لشغف الكتابة والترجمة.

كلمة الخروج بكل دلالاتها التوراتية التي تحمل معاني التحرر والانعتاق تستحقُ المغامرة والمثابرة. لأن الوجود في محيط الدوائر الخطأ والأشخاص الخطأ كفيل بالتهام الوقت وتبديده دون جدوى. 

ربما يلزم علينا التعاطف مع الضعف البشري الذي لا يسلم منه أحد، ولكن ما يجدر بنا بالأحرى هو ألا ننساق ونساير ونجاري الجموع. عوامل الغيرة في النفوس ليس في الإمكان توقع مداها. الحل ببساطة هو العمل بهدوء، العمل بدأب، الأدب لا يعتمد على الإلهام فحسب، ولكنه يقوم بالأكثر على ساعات طويلة مستمرة من التعب والبحث والقراءة. 

تمييز النصيحة المخلصة عامل مهم في الحكاية أيضًا. البعض ينصح من قبيل المودة والصداقة، والبعض يَدَّعي توجيه النصيحة ولكن مجمل الأمر هو حقد دفين لا يرغب إلا في إزاحتك من الطريق لشعوره بالمنافسة. 

من الذكاء فهم ذلك والابتعاد عن المعارك الصفرية التي استهلكتْ طاقات الكثيرين على حساب إنتاجهم الأدبي. قد يبدو الأمر مغريًّا للدخول في مبارزة بلا طائل وما أكثر الحجج لتبرير ذلك، ولكن في نهاية المطاف سيكون الصوت الأعلى لصالح الترفع عن الصغائر، كما سيصبح أيضًا من نصيب جودة الإنتاج. 

في الطريق نصادف الكثيرين ونتعلم منهم على كل حال، ونكتشف ما لم يرد على الذهن، ولكن القرار في يد كل واحد منا لكي يحدد إلى أي دائرة ينتمي، وأية قضايا يخوض، وأية أولويات يضعها على رأس اهتماماته. 

عندما نستوعب أن ما انقضى من العمر لن يعود، وأننا بحاجة دائمة لمزيد من القراءة والبحث والاطلاع، ساعتها تصبح الصورة أوضح، حينها يصبح الأهم هو المشروع الحقيقي الذي طال انتظاره؛ عوالم أكبر لاكتشافها، آفاق أرحب للتحليق فيها، أفكار أعمق للتمعن فيها، خبرات هائلة لمن سبقونا للاستفادة منها. 

الحكاية في تصوري ليستْ مجرد سرد لمواقف شخصية مع أشخاص بعينهم في أماكن بعينها، بقدر ما هي العبرة الكامنة في اكتشاف المعنى واستخلاص النتيجة والسعي نحو الإنجاز. وهذا هو بيت القصيد في حدود رؤيتي. وسوف تستمرُ الحكاية.

 

Commentaires