Article المقال Elhekaya الحكاية ( Mai )
تقول برودي:
’’شيئًا مغروسًا بعمق في داخلنا يشبه الشفرة الوراثية يجعلنا نستجيب للقصة.‘‘
لا أدري متى
تحديدًا بدأ هذا التحول، أو أدركني ذلك الخاطر، كنت في بداية سنوات يفوعي، حين
أدركت أنني عنصر يتحرك داخل نسيج من زمان ومكان.
لم أسمع هذا
الفهم من الخارج. كان صوتًا باطنيًا ينشىء بداخلي سعيًا نحو حياة أعمق وتساؤلًا
حول جدوى حياتي.
كنت صغيرًا حين
أدركت أن كل إنسان يملك على الأقل قصة وحيدة ليحكيها، وهي قصة حياته.
وهذا ما أثبت
جدواه مع تقدم العمر، فاليوم بعد أن كتبت القصص، وغيرت فيّ وغيرت في الآخرين، حين
أعبر أمام شخص في الشارع، لا تلتق وجوهنا سوى سهوًا وعلى استحياء، أو حين أنظر من
البلكون، وأتأمل النوافذ المشرعة والمغلقة، أو حين أتواجد في الزحام، يعيد عليّ
الخاطر نفسه شارحًا؛ أن لكل إنسان قصة، وربما افضل بكثير من القصص التي يكتبها المؤلفين.
كل إنسان
بداخله هواجس، وأفكار ومشاعر، تحركه معتقدات، لديه أهداف ورغبات وإحتياجات، علم
بها ويسعى إليها عن وعي أو وضعت له. في هذا المسار يتحرك البشر، يجنون المال
وينفقون على أنفسهم وذويهم ويعيشون ويتعلمون، وخلال هذة المسارات المتوازية قد
تتقاطع مصائرهم، بل قطعًا تتقاطع، يقع رجل وإمراة في الحب، يعثر إنسان وحيد على
صديق، تغتصب فتاة، يتم التحرش بطفل، يحقق الحالمون طموحاتهم، تنشأ حضارات وتخبو، تتشكل
طبقات وتندثر طبقات، ويتكالب الجميع لصعود السلم المجتمعي.
في خضم كل
هذا يوجد لكل إنسان قصة.
يأخذ كل
إنسان نصيبه من دور البطولة الذي يصنع به قصة حياته.
غير أنه ربما
ما يميز المؤلف فقط، هو أنه تجرد لهذا الفعل، وأخلص له، ووجد فيه سر يبقيه حيًا.
إلا أن
الآخرين، كل الآخرين، لديهم قصص مذهلة، فقط ينقصهم الإعتزال للجلوس وصياغة تلك
الأفكار على ورق.
ربما هذا
تحديدًا ما عناه الكاتب هانز كريستيان آندرسون حين قال: ’’أن الواقع ملهم وأكثر غرابة
من الخيال.‘‘
جعلني هذا
أنظر إلى قالب القصة أو الحكاية بشىء من الجلال والقدسية. لم تعد القصص كلام مرسل أزجي
به وقتي وإن كان هذا الفعل في حد الذات ليس عيبًا.
بل بدأت أنظر
إلى أن كل قصة على أنها صدفة محار، والإنسان بداخلها هو اللؤلؤة.
وفي عالم
يسحق الإنسان ولا يبالي، يمكن أن نقول أن القصص هي الفورمالين الذي نستطيع أن
نحتفظ فيه بالرحيق الإنساني.
القصة كبسولة
زمنية، تنقل المعرفة والخبرات وسير حيوات الناس إلى أجيال لاحقة.
حتى أنني
بدأت أفهم لماذا كان المسيح يتكلم إلى الناس بأمثال.
واليوم بينما
ينشأ ويتطور برنامج الChatGpt لن يمضي وقت طويل حتى
نجد الذكاء الإصطناعي قادر على كتابة قصة.
ولكن أين
توجد هذا القصة من قصة الوجود الإنساني؟
أي قيمة لهذة
القصص المصطنعة، من أب أو أم يحكيان لابنهما قصة قبل النوم، أو والد يقدم لابن في
مراهقته معنًا ملهمًا محكمًا في سرد قصصي. ما أن ينهي الاب عباراته سينقذف من فمه المعنى
ليعبر إلى وجدان الإبن ويستقر في حياته يرشده حتى نهاية عمره.
كنت أتناول
بالقراءة كل ما كان تطاله يدي وأنا صغير. وأذكر أنني تناولت مجلة دينية، ورغم أنني
كنت أشعر بفجوة تمنعنى ومحتواها التعليمي الجاف، إلا أنني على الجانب الآخر كنت
أشعر بإنجذاب رهيب نحو القصة الوحيدة التي كانت تكتب في كل عدد.
ومن القصص
التي تركت علي أثرًا كبيرًا ولا أنساها حتى هذا اليوم هي قصة بعنوان: ’’عندما صمت
البيانو‘‘.
أسم شاعري
يصلح ليكون عنوان قصيدة. وكانت القصة تتناول قضية الموت.
وبالطبع كما
هي عادة الكتب الدينية، أن يأخذ الكاتب القصة ويلصق التأويل الديني بها، إلا أن
المعنى المجرد لهذا القصة أصابني وفتّح ذهني نحو أفق فلسفي مبكر:
ماذا لو كانت
نهاية العمر الآن؟
في تلك
الفترة كنت أدرس نصًا في المدرسة للشاعر أبو القاسم الشابي. وكم ألهمني حبه الجارف
والملتهب للحياة. كانت صرخة متمردة ضد الموت. الموت الذي كان يتمثل في الملل الذي
كان يحاوطني وأشعر به. ولكني علمت من تقديم الدرس أن أبو القاسم الشابي توفي
صغيرًا. من سخريات القدر أنه توفي في نفس عمري اليوم.
أؤمن أن هذا
جعلني أنظر إلى وقتي وإلى جدوى حياتي نظرة مختلفة، وأن أباشر الزمن الذي يمضي من
عمري بشاعرية، وأسعى أن يتحول الوقت الذي يذهب بلا رجعة إلى منتج قبل أن يزوى.
جعلتني هذا القصة حتى هذا اللحظة، مع التوجة الفطري الذي كان يسعي بداخلي للتساؤل
واستكشاف آفاق أرحب من الحياة، أن أجتهد لكي لا تمضي حياتي بشكل مسلم به، وأن لا
أكبر في السن فقط، بل في الحكمة أيضًا.
هذا الفهم
القصصي يغير من حياة الإنسان. واستيعاب مجريات الأمور من حولي بشكل سردي جعلني
أحيا بطريقة مختلفة. فمثلًا، على نفس منوال تطبيق مفهوم الدراما، الأحداث التي لا
تأخذ ’’قصة‘‘ حياتي للأمام، لا أنخرط فيها. والوعي التام بأنني بطل حياتي، ومحركها
أبدًا لا يفارقني. يمكن أن أغفو لوهلة مستغرقًا في طابور طويل، أو حدث لا يخصني،
أو مناسبة إجتماعية مملة، أو زحام طريق، ولكني أنتفض سريعًا لاستتبع سريان قصة
حياتي وأمد خطها الزمني للأمام، حتى تعبر على محطاتها المعدة لها، وتصل للنهاية
المرجوة قبل نفاذ الزمن وإنتهاء الأوان. إنها مسؤليتي أنا وحدي.
هذا الفهم
القصصي، ساهم في تحرري من العلاقات المعطلة، واستبعاد الآخرين الذي هم بلا وجهة
يسعون إليها. أنظم ساعات يومي بطريقة مختلفة. وأقسم يومي بشكل عملي ومنتج. وأحساب
نفسي بشدة على الوقت المهدر. إذ أؤمن أنه، كما في كل قصة، الزمن الدرامي، أو الوقت
هو رأس مال الإنسان الوحيد والحقيقي، وهو في نفس الوقت، مصدر طاقة غير متجدد. هذا
بالنسبة إلى الزمان، أما بالنسبة إلى المكان، بنفس الطريقة الملزمة، أختار الأماكن
التي أتوجه إليها. ولا أمضي في طريقي إعتباطًا أو كيفما إتفق. لأنه كما للمكان من
تأثير في القصة، أنه يصيغ الأحداث ويشكل البطل، هكذا أعي تمامًا أنني بتحديد
الأماكن التي أتوجه إليها وأتواجد فيها،أصنع ذكريات المستقبل وأنتقي وأخلق ما
سيبقى معي وسأحمله في حقيبة عقلي شئت أم أبيت حتى نهاية العمر.
يعيب عليّ
كثيرين أنني لا أعطي حياتي المرونة التي تحتاجها، و لا أتنعم على نفسي بالترفية
والدعة والاسترخاء التي يحتاجها الإنسان بشكل عام. غير أني لا أتفق أبدًا مع هذا
الفهم. أحدد خطوط السير لكي لا تستنفذ العمر، وأضع خططًا بديلة عديدة لكي أنتفع بكل
لحظة. ربما وصل ذلك إلى درجات خطرة مثل أنني قبل صدور التطبيقات الصوتية التي تقرأ
الكتب، كنت أقرأ الكتب بينما أقود على الطرق الطويلة أو المزدحمة.
في كتابه
’البطل بألف وجه‘‘ يقدم جوزيف كامبل فهمًا ثاقبًا للقصة. إنه يذهب إلى الإقتراح أن
الأسطورة محملة بطاقة أبدية. وأن هذة الطاقة تستودع في القصة لكي تغير من الإنسان
وتقدم له التعليم الذي من شأنه أن يجعله يعايش حياته بشكل أكثر جدوى. ويقول أن
القصص لا تقدم الحقيقة، ولكن تقدم له طريقة الفهم التي تؤهله للتعامل مع حقائق
الحياة.
كان جوزيف
كامبل أستاذًا جامعيًا، ولكنه سمع ذلك النداء. فقال: ’’قررت أن أتبع نعمتي. I decided to follow
my bless‘‘ وكان من تداعيات إدراكه لنعمته
أن يترك التدريس الجامعى، ليقضي كل وقته في مكتبة نيويورك العامة يقرأ كتب الأديان
وميثولوجيا الحضارات القديمة والمصادر التي سجلت أحلام البشر مثل كتب التحليل
النفسي.
في طفولته
كان ابنًا لأم منفصلة تحيا في منطقة فقيرة، ويجاورها الهنود سكان أمريكا الأصليين.
وكان بينما يجلس على عتبة منزله يسمع قصصًا من جيرانه تشبه في هيكلها القصص التي
كان يسمعها من أمه عن التراث الكاثوليكي.
لاحقًا قرر كامبل
أن لا يلتصق بعقيدة معينة وأطلق على نفسه أنه Generalist و Universalist أي أنه إنسان يسعي لفهم وتحقيق الإرتباط بالحقيقة
الكلية للعالم.
وهذا تحديدًا
ما حاول أن يخلص إليه من قراءاته الكثيفة في مكتبة نيويورك، وهذا عينه هو معنى
عنوان الكتاب ’’البطل بألف وجه‘‘. خلص كامبل إلى أن كل القصص هي قصة واحدة، وأن البطل
واحد ولكن له أوجه عديدة. وأن البناء الحكواتي النموذجي واحد، يتكرر في القصة الي
يبتدعها الطفل الصغير لكي يبهر لوالديه، وكما في التراث الجليل للأساطير القديمة،
بل وفي القصص الديني أيضًا.
ترك جوزيف
كامبل العوالق والمعلقات التي من شأنها أن تحجزه عن أن يأخذ دوره في القصة الكونية
الكبرى، و أن يسعي لكي يكتشف ويعرف ويكون جزء من الحقيقة المطلقة المكونة للعالم، التي
كان يؤمن أنها تفصح عن نفسها من خلال القصص للبشر.

Commentaires
Enregistrer un commentaire